محمد حسين علي الصغير

181

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

دقيقة إلى قسيمي السفر المتعارف آنذاك ، وهو إما سفر البحر فوسيلته السفن ، وإما سفر البر ووسيلته الأنعام ، وقد غلب في الركوب المتعدي على غير المتعدي لقوة المتعدي ، إذ يقال : ركبوا الأنعام وركبوا في الفلك . وهاتان نعمتان جليلتان يستحق معهما الشكر ، فالذي خلق البحر خلق قابلية حمله للسفن ، على أن الأجرام الحديدية الثقيلة ترسب في الماء ، واستقرار السفن على سطح الماء نظرا لتجويفها الذي ألهمه للصناعيين لطف منه تعالى في دقة تدبيره لدى تسخيره الأشياء للانسان ، حتى تتمكن منها تمكن المستعمل والمستفيد استواء فيها واستقرارا بمرافقها ، تيسيرا للانتقال من بحر إلى بحر ومن قطر إلى قطر ، وتمهيدا للسبيل في السفر والرّحيل ، ولولا هذا اللطف الدقيق لبقي الانسان جامدا لا يتحرك ، وخاملا لا ينبض بالحياة ، متقوقعا على نفسه وفي زاويته متأقلما بمحيطه ومجتمعه ، لا يبتغي للحيلة وسيلة في التكسب البعيد ، ولا يتاح له الاختلاط بالشعوب بوعي المستطلع الخبير ، ولا يعاوده الامل في العودة إلى وطن ، ولا يداعبه الشوق في البلوغ إلى هدف ، وما هذه النعم الظاهرة والباطنة في تسخير الجماد من السفن ، والحيوان من الأنعام ، هذه السفن الحديدية الضخمة التي تجوب البحار والمحيطات ، وهذه الأنعام الفتية التي تقطع البيد والقفار ، أفلا يجب الشكر بملحظ أن هذه الأنعام على الأقل أكثر قوة من هذا الانسان فهي تحمله وتحمل متاعه وأكثر جلدا وصبرا على احتمال الأهوال ، وانتظار الري ، ومعالجة الجوع ، وما هي هذه الهداية التي جعلت من هذا الحيوان الا بكم مسخرا بين يدي هذا الانسان الضعيف الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة . يقول فخر الدين الرازي « 1 » : فإذا تأمل الانسان هذه العجائب وغاص بعقله في بحار هذه الاسرار عظم تعجبه من تلك القدرة القاهرة والحكمة غير المتناهية فلا بد وأن يقول : سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم أنه كان إذا وضع رجله في الركاب ، قال : بسم

--> ( 1 ) الرازي ، مفاتيح الغيب : 7 / 294 .